تأبى الرماح إذا اجتمعنَ تكسراً
وإذا افترقن تكسرت أحاداً
 
تتسم السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل بأهمية كبرى، حيث يتطور خلالها الدماغ بسرعة، وتُبنى العلاقات الأولى، ويجري تطوير المفاهيم، وتوضع أسس جميع المهارات وعمليات التعلم اللاحقة.
تؤثر الشهور والأعوام الأولى من حياة الطفل على تطوره، كما وتساهم العوامل الوراثية والتغذية، ونوعية العلاقات القائمة بين الأطفال الصغار وبين أولئك الذين يقومون برعايتهم في بلورة كيان الطفل، حيث يقدمون له الحب والرعاية والتحفيز والإثارة.
فيما يلي المبادئ الأساسية التي نعمل حسبها مع الأطفال كما حددناها في ورشة الموارد العربية:-
1. الطّفل كيان واحد موحّد مهمّ بكافّة جوانبه، حيث يتأثّر كلّ جانب بالجوانب الأخرى ويؤثّر فيها.
2. الطّفولة مرحلة عمريّة قائمة ومتكاملة في حدّ ذاتها، ومن حقّ الطّفل وحاجته أن يحياها بكاملها.
3. يحدث النّموّ بخطوات متسلسلة، يمكن التّنبّؤ بها. تتخلّلها فترات تكون فيها جاهزيّة الطّفل/ة للتّعلّم في أوجها.
 
وثلاثة مبادئ أساسيّة حول الطّفل/ة والبيئة:
1. تفاعل الطّفل مع الأشخاص (كبارًا وصغارًا) يحفِّز عمليّة التّعلّم عند الطّفل، ينشِّطها ويشجِّعها ويدعمها.
2. تربية الطّفل هي تفاعل ما بين الطّفل وبيئته، بما في ذلك وبشكلّ خاصّ النّاس الآخرين والمعرفة.
3. تنمية هويّة الطّفل الثّقافيّة، ولغة الأمّ وقيمه الخاصّة مهمّة لنموّه السّويّ والمتكامل.
 
بالإضافة إلى 8 مبادىء حول الطّفل والبرامج، وهي:
4. هنالك"حياة داخليّة" للطّفل تظهر وتزدهر في الظّروف المناسبة.
5. من المهمّ تثمين الفروق الفرديّة بين الأطفال والإحتفاء بها.
6. الإعتراف بأهمّيّة "الدّافعيّة الداخليّة" للطّفل والّتي تقوده إلى المبادرة للقيام بأنشطة يوجّهها بنفسه، وتشجيعها أمرّ مهمّ في تحقيق مختلف جوانب شخصيّته.
7. تنشئة الطّفل على "الضّبط الذّاتيّ" لضمان تأمين حريّته الشّخصيّة والتّصرّف بمسؤوليّة في السّياق الإجتماعي والثّقافيّ.
8. يحتاج الطّفل الّذي يعيش في ظروف صعبة إلى دعم نفسيّ ومجتمعيّ كافٍ، من أجل تطوير المهارات والقدرات الكامنة لديه والّتي تساعده على البقاء والتّغلّب على الصّعوبات والصّدمات.
9. تربية الطّفل تنطلق ممّا يقدر الطّفل على القيام به، وليس ممّا لا يقدر على القيام به.
10. نظرة الطّفل شموليّة، وهو لا يميِّز بين فروع المعرفة المختلفة، بل يتعلّم بشكل متكامل.
11. تقدير واحترام دور الوالدين و/أو، عند الحاجة، دور أعضاء الأسرة الموسّعة أو الجماعة الرّاعية أو الكافلة في منظور العرف المحلّيّ. 
12. تطوير برامج وقائيّة وعلاجيّة لجميع الأطفال، وبالذّات للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة.
 
 
بناءاً على هذا، فالأطفال هم الأساس بالنسبة لنا، والأهل يؤثرون سلباً أو إيجاباً على تطور الطفل، والفرق في تطور الأطفال أبناء الجيل الواحد يصنعه المجتمع.
إنّ الوالدان هما أساساً هاماً لمساندة نمو الطفل وتطوره، وعلى المجتمع ان يقدّر تقديراً أكبر هذا الدور الهام الذي يتمثل بكون:-
1- الآباء والأمهات هم الخبراء في شؤون أطفالهم، قد يكون المعلمون والعاملون الصحيون على دراية أكبر من ناحية المعرفة المتخصصة، لكن ما من أحد يفهم الطفل بكليته مثلما يفهمه والداه، فالوالدان أكثر قدرة على ملاحظة كل خطوة تطور صغيرة يحققها طفلهما، بالإضافة إلى كونهما أول من يتمكن من ملاحظة أي إشارة إنذار قد تدل على أن هنالك خلل ما.
2- الآباء والأمهات في مجتمعنا يحملون الكثير من المعارف المتناقلة، والموروث الثقافي الغني، خاصة في مجال التربية والرعاية في جيل الطفولة المبكرة.  إنّ هذا الموروث غني جداً بالممارسات الجيدة التي تحتاج الى تدعيم واحترام من قبلنا.
3- احترام المعارف التي يُحضرها الآباء والأمهات معهم هي عنصر أساسي لتطوير مسؤوليتهم في الرعاية والتنمية والتربية للطفل.
4- الآباء والأمهات يوفرون البيئة الداعمة المساندة لتطور الطفل، وبتوفيرهم المثيرات الغنية يساعدون الطفل على التعلم بنفسه كيفية التعلم.  فالطفل يبدأ التعلم منذ لحظة ولادته او حتى قبل ذلك.
5- يوفر الأهل إشباع الحاجات الأساسية الهامة لنمو الطفل من طعام ومأوى ونوم الحركة من أجل نموه نمواً جسدياً صحياً، بالإضافة إلى الحب والأمان والتشجيع حتى ينمو اجتماعياً وعاطفياً بشكل سليم.  إنّ حاجة الطفل الى الحب والاحتضان من قِبل والديه هي بقدر حاجته إلى الغذاء.. 
(إن الشعور بالأمان والثقة بالنفس عنصران أساسيان لصحة الطفل ونموه العاطفي، فعلى الوالدين أن يُظهرا حبهما تجاه طفلهم وأن يكون تهذيب الطفل وتأديبه واضحاً ومتسقاً، وعليهما أن يحاولا الانطلاق من نقاط القوة عند طفلهما بدلاً من انتقاد إخفاقاته، فالعقوبة الجسدية تؤذي الطفل، وهو يحتاج أيضاً إلى تقدير واحترام محاولاته، وليس نجاحه فقط). 
6- للأهل دور أساسي في تشجيع اللعب وفي تخصيص وقت للعب مع الأطفال وذلك لإدراكهم أهمية اللعب، إذ  يتعلم الأطفال ويتطورون من خلال اللعب.  فاللعب يبني عقول الأطفال وأجسامهم، ويساعدهم على تعلم التفكير والكلام، وعلى الإبداع، وعلى استكشاف المشكلات وحلها، وعلى تطوير المهارات الجسدية.  إنه يساعدهم أيضاً على تطوير المهارات الاجتماعية، وعلى التعامل بشكل جيد مع الأطفال الآخرين ومع الكبار، وعلى المشاركة والتعاون. ويمنح اللعب الأطفال مزيداً من الثقة بالنفس، فهو يمكّنهم من تجربة الأشياء المحيطة بهم من خلال العاب خيالية، وبذلك التغلب على مخاوفهم).
7- الوالدين يتحدثا مع طفلهما ويصغيا إليه منذ أيامه الأولى.  وعندما يطرح الأطفال الأسئلة، على الآباء والأمهات أن يُحاولوا الإجابة عن أسئلتهم، وأن يشجعوهم على البحث عن حلول للمشكلات، حيث يتعلم الأطفال الكلام عندما نكلمهم، وهناك صلة وثيقة بين التكلم وبين التفكير، وكلاهما يساعد الطفل على التعلم.
بإمكان الطفل الرضيع أن يميز أصوات والديه وأن يتجاوب معها.  ومن المهم أن نُغني له الأغاني وأناشيد الأطفال وأن نسرد له القصص حتى قبل ان يبدأ الكلام. 
8- يتعلم الطفل السلوك عبر تقليد سلوك والديه، فيُشكل الوالدان المثل الأعلى للطفل. وتُبنى العلاقات الجيدة في العائلات على قاعدة الحب والاحترام والثقة، وإذا كان الوالدان قادرين على معاملة أطفالهما بهذه الطريقة فسيتعلم الأطفال أنّ هذا هو السلوك السليم.
9- يغضب الطفل الصغير ويخاف بسهولة، ومن الضروري أن يكون الأب والأم صبورين وأن يأخذا مخاوف طفلهما على محمل الجد وألا يستخفا بها، ومن المفيد للطفل ان يُعبّر عن مشاعره لا أن يحبسها في نفسه، ويمكن للوالدين أن يساعداه على ذلك.
10- تحدث عملية التعلم والتطور عند الطفل في عدة مجالات في آن واحد:  الاجتماعية والعاطفية والجسدية والذهنية وغيرها، وتُشكل جميعها قاعدة للتعلم في المدرسة والتي يمكن للوالدين أن يعتمدوا عليها خلال سنوات الطفل الأولى.  إنّ لمؤازرة الأهل للتعلم المستمر لدى أطفالهم تأثير حاسم على مستوى أداء الأطفال في المدرسة.  لذلك من المهم أن يُكرس الأهل الوقت للعب مع الأطفال والتكلم معهم وتصفح الكتب والقصص معاً وغير ذلك. 
11- يتعلم الطفل على أفضل وجه ممكن عندما يتلقى التشجيع والدعم، وعندما يُعطى دفة القيادة في بعض الأحيان.  فإذا قام الأهل بتشجيع أطفالهم على اتخاذ القرارات، مهما كانت صغيرة، فان هذا الأمر سيساعدهم في انتقالهم التدريجي نحو الاستقلالية.
 
إن أسس العمل مع الأطفال ووظائف الوالدين وأهميتها للطفل تظهر أنه إذا رغبنا بضمان فعالية عمل ناجحة، فيجب أن يكون هنالك تكاملاً في عمل المؤسسات الفاعلة مع الطفل والأهل، ومن أجل هذا التكامل لا بد من التشبيك أي بناء الشراكات بين هذه المؤسسات وبين الأهل.
ونخص بالذكر مؤسسات العمل الأهلي في مجتمعنا، فهي المؤسسات المعنية في التغيير الاجتماعي، وعلى الرغم من أنَّ العديد من مؤسساتنا قامت لتقديم خدمات اجتماعية ونتيجة للنقص من تقديم هذه الخدمات من قبل مؤسسات الدولة.  فإننا نرى في السنوات الأخيرة تحول من العمل الأهلي الخيري إلى العمل الأهلي الهادف للتغيير الاجتماعي وهذا أمر بحد ذاته إيجابي، فكما قال المثل الصيني:
أطعمني سمكة فإنني سأشبع
                       علمني الصيد فلن أجوع أبداً.
وبما أن التغيير الاجتماعي لا يحدث بمعزل عن المجتمع، فهناك حاجة أساسية للتنسيق والتشبيك بين العاملين في حقل الطفولة المبكرة من مقدمي خدمات ومهنيين آخرين وبين الأهل وذلك لتكوين مجموعات ضاغطة تؤثر على متخذي القرار.
وبما أن الطفل وكما ذكرنا كيانٌ واحدٌ موحد مُهم بكافة جوانبه، فهنالك حاجة أيضا للتنسيق بين العاملين مع الطفل من المجالات المختلفة:  الصحية، التعليمية وغيرها بحيث نضمن تلبية احتياجات الأطفال الاجتماعية والعاطفية والجسدية والفكرية.
أي أن التنسيق مهم بين المهنيين أنفسهم، وبين المهنيين والأهل، وبين المهنيين والأهل ومتخذي القرارات.
فالحاجة للتعاون بين جميع العاملين. تضمن:-
1- تلبية احتياجات الأطفال ككل.
2- التوصل إلى نهج مشترك في مجال تخطيط الخدمات بحيث يتم تجنب الثغرات والازدواجية على حد سواء.
3- الاستغلال الأمثل للموارد.
4- ضمان توفر الخدمات لنطاق واسع من العائلات وألاّ تقتصر على أصحاب الحاجات الماسة أو أصحاب الموارد الأكبر.
5- تشارك المهارات والخبرات بين العاملين في مجال تقديم الخدمات.
6- توفير معلومات أشمل للأهل حول الخدمات المتوفرة 
7- تلبية احتياجات الأطفال وعائلاتهم، بحيث يمنح الأهل الطفل فرصة أكبر للاختيار ومزيد من المرونة.    
وفي مجتمعنا العربي الفلسطيني داخل إسرائيل تزداد الحاجة إلى التنسيق وذلك نتيجة لظروف موضوعية مختلفة:
1- كَوْن المجتمع العربي مُهمش داخل الدولة، الأمر الذي يؤثر على شحن الموارد المتوفرة. والمجتمع العربي في الجنوب هو اكثر المجموعات التي تُعاني من هذه السياسة خاصة المجموعات السكانية التي تسكن في قرى غير معترف بها.
2- لمواجهة السياسية الحكومية القائمة الساعية إلى شرذمتنا، إلى عائلات وحمائل وطوائف يسهل عليها التعامل معنا، فلو تآزرت قوانا لاستطعنا التأثير إيجابيا على متخذي القرارات، وبذلك تعميم الفائدة على جميع أعضاء المجتمع وخاصة أطفالنا.
3- للاستفادة من الموارد القليلة القائمة بأفضل طريقة ممكنة ودون تبذيرها على إجراءات إدارية ومصروفات مكتبية ناتجة عن عدم التنسيق.
كما وأننا وفي مجال الطفولة المبكرة نحتاج إلى تنسيق أكثر، وذلك لكون مجتمعنا عامةً يضع الأطفال على هامش أولويات المجتمع، فنرى أنّ مجالسنا المحلية وهيئاتنا التمثيلية لا تضع الأطفال والطفولة في سلم أولوياتها.
نحن على وعي أنَّ أمام هذه التحديات هنالك أيضا صعوبات جَمَّة أمام التنسيق والتشبيك:
1- التشرذم المجتمعي يُسهم في بناء عراقيل أمام المشاركة والتشبيك.
2- سياسة الحكومة تدعم التشرذم.
3- قلة المؤسسات الداعمة-المالية-تجعل التنافس بين المؤسسات كبيرة للحصول على أكثر ما يمكن للمؤسسة وليس للموضوع الذي تعمل من أجله.
4- عوامل ذاتية مرتبطة بالعاملين في المجال، حيث يقومون بوضع رؤيتهم فوق الرؤى المختلفة، وهنالك هرمية مهنية تمنع في العديد من الأحيان التعاون.
5- عوامل ذاتية مرتبطة برؤية الأفراد ذاتهم.  ففي مجتمع هرمي، تنتقل الهرمية إلى داخل المؤسسات، "فالمدير" يهتم بكرسيه ومركزه، وينسى المصلحة العامة.
6- كَوْن مجال الطفولة يُدار وبشكل أساسي من قبل النساء، والمربيات بغالبيتهن نساء، مما يُضعف إمكانية التأثير على مُتخذي القرارات.  حيث أنّ غالبية النساء لم تصل بعد إلى مراكز اتخاذ القرارات.