تجربة مركز الطفولة الناصرة في تطويرحقيبة نباتات بلادي بين الجبلوالوادي

 

                                                                               نبيلة اسباميولي

                                                                                                مديرة مركز الطفولة –

                                                                                                مؤسسة حضانات الناصرة

 

مقدمة:

يزداد الاهتمام بالطفولة في السنوات الأخيرة،وخاصة بالطفولة المبكرة، فبعد أن أطلقتاليونسكو حملتها: "في الثامنة يصبح متأخراً"،نلحظ أن البعض اليوم ينادون بحملة "في الثالثةيصبح متأخراً".
 
إذ أظهرت الأبحاث في السنوات الأخيرة نتائججديدة حول تطوّر الدماغ والتي تُبيِّن أنّ الوصلاتالعصبية في الدماغ، تتطور في الأشهر الثمانيةعشر الأولى من حياة الطفل.  وأن هنالك عواملأساسية قد تؤثِّر على حياته, أهمّها: التغذية والبيئةالمادية والبشرية. أي أن تعاملنا مع الأطفال, ومانقدِّمه لهم من إمكانيات، كله يؤثِّر على تطوّرهم.وهذا أمرٌ يعيه كل مهتم بالطفولة.  والسؤالالمطروح هنا:  كيف يمكننا أن نقدِّم الأفضل للطفل/ة؟ 
 
هذا ما دفعنا في مركز الطفولة، ومن منطلق:مسؤولياتنا الاجتماعية تجاه مجتمعنا، ورؤيتنابأهمية الطفولة للسعي لتطوير عملنا بشتىالوسائل المتوفّرة لدينا، مرتكزين بذلك على التفاعلالمجتمعي مع ما نقدِّمه – وخاصة للعاملين/ات معالأطفال ولذويهم.
 
 
 
قام مركز الطّفولة ومنذ تأسيسه عام 1989,ببرامج متنوعة تسعى لتطوير البنية التحتيةللطفولة المبكرة في المجتمع، وقد استخدمنااستراتيجيات متنوعة من أجل ذلك. إحدى هذهالاستراتيجيات كانت وما زالت: تطوير مواردباللغة العربية لخدمة المربيات والأهل والأطفال.
 
 
يُظهر تحليل المصادر المتوفّرة في المكتبة العربيةوالمرتبطة بجيل الطفولة المبكرة, أنّ هناك نقصاً فيالبرامج الداعمة للعمل مع الأطفال باللّغة العربيّة.
يترك هذا النقص المربية متخبّطة لوحدها في كيفيةالتفاعل مع الطفل وكيفية العمل معه، فتعود بعدإحباط وتردّد إلى ما هو متوفّر بين يديها. وينبع منذلك روتين قاتل، إذ تحاول المربيات في البستان(أطفال من 5-6 سنوات) وفي الروضة(3-5سنوات) وفي الحضانة (ثلاث أشهر الى 3 سنوات)أن تبحث عن تجديدات وتقوم بتطوير فعاليات,وتتناقلها المربيات بين بعضهن البعض أو تنسخهاالواحدة عن الأخرى دون أعتبار للطفل مراحل نموهصفاته الشخصية اهتماماته وتيرته فالطفل ليس ذاتقائمة لذاتها، ليس فاعل بل مفعول به، لذا فلو دخلناإلى:  الحضانة، الرّوضة أو البستان في أي وقت منأوقات السنة لوجدنا: الحاضنة، المربية في الرّوضةوالبستان مشغولات كلّهن في الموضوع نفسه تقريباً،(أن كان الموضوع الزيتون أو الحمضيات اوالموصلات أو أنا وجسمي الخ من مواضيع أكل عليهاالدهر وشرب) ويستمر هذا المسلسل في الصف الأولوالثاني.  ونتساءل فيما بعد: لماذا لا يرغب أطفالناالذهاب إلى المدرسة؟! 
 
إن المربّية التي تحاول جاهدة التَّجديد والتَّغيير، تبقىغالبا وحيدة رغم أن مجهوداها يستحقّ التقدير, وعلىالرغم من أنها تلقى بعض الُدْعَم في الحالات الجيدة،ولكن المجهود يبقى فلردي وغير معممٍ.
لذا سألنا أنفسنا: لماذا لا يتم تركيز هذه الجهود؟ لماذالا نجمع المربيات لفعل تجديدي منظّم جماعي؟المربيات هن الخبيرات, وهن الّلاتي تواجهنالصعوبات أعلاه, وتحاولن تحدي الواقع وتغييره،فلماذا لا نستفيد من تجربة المواجهة الفردية ونجمعهاليستفيد كل الأطفال؟  ومن هذه التساؤلات أنطلق المشروع وكانت أهدافه:
·      تدعيم المربيات للعمل بشكل جماعي وبجوّ من المشاركة وتبادل الخبرات.
·      تطوير قدرة المربيات على التشارك والتفاعل في الكتابة والتوثيق لخبراتهن (تطوير مجموعة مربيات كاتبات).
·      تطوير مورد تستطيع المربيات الاستفادة منه في عملهن مع الأطفال لهدف تعزيز الانتماء.
 
 
الحكاية 
 
تبدأ حكاية هذه الحقيبة العينية ما قبل البداية إذ كانت لنا تجربة مشابه في إعداد حقيبة "أنا وبلدي – الناصرة بلدي"، ارتكز على مسار طويل مع مجموعة من المربيات العاملات في حقل الطفولة المبكرة في روضات الناصرة, تشاركنا سوية به مع المربيات ونهلن من معارفهن ومصادرهن المتنوعة: تجاربهن الميدانية، الكتب، الناس، مراكز بحث، جولات ميدانية وجمع للتأريخ الشفوي حول الناصرة وما لم نجده بالكتب، على سبيل المثال عمالة النساء في الناصرة في الأزمنة العابرة(وقد جمعت المربيات هذا التاريخ من النساء اللواتي عايشن تلك الحقب).  وكان تقييمنا وتقيم المشاركات للتجربة كناجحة وايجابية هو الدافع لاعتماد نفس المنهجية الإجرائية في إعداد حقيبة نباتات بلادي بين الجبل والوادي.  والمنهجية الإجرائية تنطلق من عدة مبادئ منها:
 
·      يشكل الحقل مصدرا للتعلم والمعرفة. 
·      يتعلّم الطفل ما يعيشه وهو يعايش التجارب بشكل شمولي، ولذا فإن أي عمل نقوم به مع الطفل، من المهم أن يُؤخذ بعين الاعتبار مميزات الطفل وطرق تعلّمه. 
·      تطوير الأفكار وتجربتها ميدانيا يضمن ان تكون الأفكار التى تتطور ذات معنى للمربية والطفل/ة، وهذا شرط مهم لضمان تفاعل الطفل/ة.
·      المربيات في الحقل يتفاعلن يوميا مع الأطفال بطرق متنوعة منها إبداعية وخلاقة ولكن غالبا ما لا توثق هذه التجارب ولا تتشارك المربيات فيما بينهن بتجاربهن والتحديات الآتي يواجهنها. 
·      التشارك في التجربة والتفاعل معها توثيقها والاستشفاف حولها يدعم التعلم وتذويت الدروس المستخلصة ويسهم في توليد المعرفة. 
·      فاقد الشيء لا يعطيه, لذا فعلى المربية قبل البدء بأي مشروع مع أطفالها، أن تتعمق به وتتعرف على قضاياه, وتعدّ ذاتها لتدعم أطفالها في مسار  تعلّمهم، لذا فقد ارتأينا أهميّة العمل مع المربيات لإعداد هذا المورد وذلك للإجابة على إحتياجات المربية ذاتها.
رأينا أهمية البدء في مواضيع سلب من أطفالنا وغيب حقهم به على الرغم من أنه حق من حقوقه الأساسية، فمن حق كل طفل ان يبلور هوية[3]وأنتماء كأحد الحقوق الأساسية. وهو موضوع يراه البعض شائكاً لكوننا أبناء/بنات الأقلية العربية الفلسطينية مع ما يميِّزنا. وكوننا مواطنين في دولة إسرائيل، ولكننا نعتبره من أهم المواضيع ونضعه في سلّم أولوياتنا.  أي أننا في هذا المورد نركِّز على الدّوائر الأولى للانتماء ومحتوياتها، ونحاول أن نربطها بتجارب ممتعة للطفل تزيد من معرفته واعتزازه وارتباطه بهذه المحتويات وتمكّنه من التعامل النقدي معها، ليستطيع أن يساهم في بلورة هويّته الذاتيّة المستقبليّة،  ولتتوفّر أمامه تجارب جديدة متنوّعة تثيره وتساهم في نموّه العام أيضاً.
 
 
مسار العمل على اعداد الحقيبة
 
1.    بلورة تصور أولي للمشروع
قام مركز الطفولة بدور المبادر والمنسق المُيسِّر للعمل وقد بلور طاقم المركز الفكرة والتصور للمشروع من حيت المنطلقات الفرضيات والأهداف وخطوات العمل ليستطيع جمع مجموعة راغبة في العمل على الموضوع.  كما ووفر المركز منسّقة للموضوع لتستطيع متابعة الخطوات وتنسيق العمل، وكذلك توثيق العمل بجميع خطواته وهو أمرٌ مهمّ جداً لنجاح المشروع.
 
طبعا يمكنك كمربّية أن تبادري لبلورة مجموعة أو قد تبادر للمشروع أحدى الأمهات أو أللإباء أو المجلس المحلي أو البلديّة، المهم بناء مجموعة من المربّيات المهتمّات الّلاتي يرغبن العمل على الموضوع.
 
 
 
2.             التعرف على المشروع وتوضيح التوقعات المتبادلة والمسؤوليات المتوخاة.
دعونا مجموعة من المربيات  للتعرف على المشروع والأنضمام الى المجموعة وتمت بلورة مجموعة من المربّيات المهتمّات الّلاتي يرغبن العمل على الموضوع.  في حالتنا كان الموضوع الهوية والتجارب المبلورة[4] لها في الطفولة المبكرة. وهنا وبعد التعارف الأولي تم عرض التصور وتوضيح أهداف العمل ومسار وصولا الى أنّ المجموعة تفهم الموضوع فهماً جيداً. (هذه الخطوة و الخطوات الأخرى، تحتاج في بعض الأحيان إلى عدة لقاءات وليس فقط إلى لقاء واحد).
 
وقد رأينا أهمية بلورة لغة مشتركة بيننا وبين المشاركات قبل البدء في تطوير تجارب في الحقل[5]، كما وجدنا أهمية قصوى بتدعيم المربية وإعادة الثقة[6] بقدراتها وبمعارفها بما في ذلك معارفها الموروثة والمكتسبة في مسار تعلمها الحياتي (الرسمي وغير الرسمي).     وقد خصصنا لذلك فترة كافية قبل أن ننتقل للخطوات العملية.
 
فهم الموضوع فهما جيدا يتطلب دراسة الموضوع أحيانا فمثلا عندما فحصنا دوائر انتمائنا والتجارب التي أثرت على بلورة هويتنا كان لتجارب الطفولة في الجبال والوديان حولنا ومع النباتات على وجه التحديد دورا ايجابيا فكما هو معروف فنحن نقطف الزعتر مثلا نأكله ونشربه ونتداوى به.... وبعض النباتات نلعب بها ونستخدمها لنزين بها بيوتنا. ولذا فعندما قررنا ان نطور موضوع النباتات في الروضة توجب علينا كمربيات أولا التعرف على هذه النباتات  وذلك من رؤيتنا لأن فاقد الشيء لا يعطيه،  ولوعينا لأهمية شعور المربية بالثقة مع الموضوع، فالمربية لدينا ما زالت تعتقد أنها تعلم الطفل وتحتاج الى معرفة قبل البدء في العمل مع الأطفال (على الرغم من أننا نحن ميسرات العمل لم نكن مختصات بموضوع النباتات وذكرنا الأمر للمربيات بشكل واضح: "أنا لست مختصة بالنباتات وسأتعلم عنه معكن" ولكن ونتيجة لفهمنا حاجة المربية للمعرفة ولضمان ثقتها تفاعلنا مع مختصين ليرافقونا بمسار التعلم كما وجمعنا في مكتبة المركز العديد من الكتب حول النباتات وهذا المركب تحول إلى جزء في الحقيبة أطلقنا عليه "النباتات بصور وكلمات" ليكون مرجع للمربيات وللأطفال وللأهل) 
 
فهم الموضوع فهما جيدا يتطلب، بالإضافة إلى كل ما ذكر، فهم ارتباطه مع الحياة في الروضة[7] أو مع الأطفال وتحديد مجالات التي ترغب المربية بتجريبها في روضتها.
 
 
 
3.    تجميع المواد الدّاعمة أو المرتبطة بالموضوع
تجميع المواد الدّاعمة أو المرتبطة بالموضوع أو بالفعاليات التي يمكن القيام بها مع الأطفال، وذلك وفق المهمّة التي أخذتها على ذاتها كل مربية. أي وبحسب المواضيع التي طُرحت بالخطوة الأولىتقوم المجموعة بالبحث عن معلومات عن كل المواضيع بشكل بسيط, وعن موضوع واحد بشكل مكثف. يمكن تجميع المعلومات من كل المصادر المتوفّرة, كتب, مجلاّت, وسائل إعلام, أشخاص وغيرها. 
 
 
 
4.    تَبادُل المعلومات التي جُمعت ومراجعتها
تَبادُل المعلومات التي جُمعت ومراجعتها، من المهم هنا أن تُراجع كل مربّية كل المواد وذلك لضمان وصول المعلومات لكل مشارِكة، ولإغناء المعلومات بالتّجارب الشخصيّة التي تحملها المربّية. بعد المشاركة، من المفترض تحديد المواضيع التي سيتم العمل عليها لأنه ومن تجربتنا لا يمكن العمل على جميع المواضيع دفعة واحدة. يمكن أن تأخذ هذه الخطوة عدة لقاءات تراجع بها المجموعة ما جمع حول موضوع معين وتناقشه وتتأكد من فهمه فهماً جيداً.
 
في نهاية كل موضوع تقوم منسّقة الموضوع مع المربية بتوثيق كل ما تجمًّع بشكل مرتَّب، ليصبح مرجعاً لجميع المربيات. وهكذا .. إلى أن تتّضح الصّورة وتقتنع المربّيات بأن الموضوع قد نال حقّه.
 
 
 
 
 
5.    تخطط المربيات بشكل فردي أو بمجموعات صغيرة فعاليات يمكن القيام بها داخل الروضة
الهدف هو تخطيط العمل مع الأطفال، أو تغييرات مقترحة لإدخال الموضوع إلى الروضة، وتقترح المجموعة أو المربّيات مثل هذه الفعاليات أو التغييرات في لقاء للمجموعة الكبرى. وبعد مناقشته وإقراره من المجموعة يكون الأمر قد تمّ للانتقال إلى الخطوة التالية. مرة أخرى هذه الخطوة قد تستغرق عدة لقاءات لتغطية كل المواضيع.
 
 
 
6.    التّنفيذ
تَقوم المربّية في المجموعة بتطبيق الأفكار في روضتهن وتتابع تفاعل الأطفال وتوثّق   تجاربهم.
 
 
 
7.    التّقييم
تعرض المربّية ما جمعته من خلال تنفيذ الفعاليات مع الأطفال، وتستمع إلى ردود أفعال المربيات، وهنا تجمع أفكار جديدة للتحسين. توثّق كل هذه الأفكار في مورد لاستعمال المربّيات مستقبلاً.
 
إن هذه الخطوة أيضاً قد تستغرق عدة لقاءات، كذلك من الواضح أن الخطوات يمكن أن تتداخل، فبعض المربيات قد ينفّذن الأفكار التي أقرتّ قبل الانتهاء من المشروع ككل.
 
 
 
8.    توثيق
وهي خطوة من المفترض أن ترافق العمل بأكمله من البداية حتى النهاية, وهي توثيق جميع مراحل العمل بدون استثناء.  وبناء على هذا التوثيق طورت حقيبية نباتات بلادي بين الجبل والوادي وتحتوي على:
 
كتيب  ما قبل الحكاية(وهي عن مشاركة والمؤسسات الشريكة في مشاركة)
 
كتيب الحكاية (وهي ما حولنا تلخيصه لكم هنا)
 
كتاب رؤيتنا التربوية
 
دوسيه النباتات بصور وكلمات (وهو عبارة عن صور واضحة وكبيرة للنباتات ومعلومات في خلفية كل صورة)
 
نهج العمل في الروضة: توثيق لمشاريع المربيات مع الأطفال
 
5 بازل لصور من النباتات
 
لعبة ذاكرة للنباتات وأسمائهن
 
لعبة دومنيو نباتات
 
لوح مغناطيسي مع مربعات لاصقة لتصميم صور فنية حول النباتات.
 
 
 
[1] "حقيبة" = وهي عبارة عن عدة اجزاء مرتبطة بالموضوع ولكنها متنوعة تشمل: كتاب/ كتب أو كتيبات/كتيب، العاب متنوعة، قرص مدمج.....
 
 
 
[2]  كتب هذا المقال بناء على كتيب الحكاية في حقيبية  أنا وبلدي – الناصرةبلدي من إعداد نبيلة أسبانيولي ونجلا زاروبي جرايسي إصدار مركز الطفولة–مؤسسة حضانات الناصرة ومشاركة 2008
 
[3] يُطوّر الإنسان في مسار حياته-هوياته المختلفة: له شخصيته المتميزة، فهو ابن لعائلة أو زوج، أب, صاحب مهنة، ابن بلد- قبيلة، له انتماؤه القومي، أو المدنيّ. إلى ما ذلك من هويات متنوّعة نحملها معنا لتكوِّن هويتنا المميزة الخاصة بنا.  أي أنّ الهويّة هي هويّات أو بازل (لعبة تركيبية) من الهويات التي اكتسبناها عبر السنوات، ومنها ما يبقى معنا ومنها ما يتغيّر. فعلى الرّغم من أننا نولد مسيحيين أو مسلمين مثلاً، فهناك من يختار، أن يغيّر دينه أو أن يتبنى هويّة لا دينية/علمانية. أو حتى ضمن الدين الواحد، فهناك من يتبنى هوية متزمتة دينياً أو منفتحة.. أي أننا في مسار حياتنا نستطيع أيضاً أن نختار، نغيّر، ننتقل بين الهويات المختلفة, نؤكّد على البعض منها، نفضّل أخرى وهكذا.. فبعضها ديناميّة متغيّرة. ولكن من الواضح أهميتها، فكل إنسان مهما تعددّت هوياته، بحاجة إلى الانتماء  والاعتزاز والفخر بإنتمائه، كل ذلك يعزّز ويشبع الحاجة إلى الانتماء.  إن تفكيكنا للهوية إلى هويات، يساعدنا على: فهم التّركيب القائم لدى التداول مع موضوع الهوية.
 
ونحن هنا كأقلية قوميّة فلسطينيّة في دولة تسعى لأن تكون دولة اليهود، يمكن أن نشعر بتهديد يرتبط بهويّتنا القوميّة ويحاول دثر كل مركّباتها أو تهميشها. وعلى الرّغم من أنّ العديد منا، وجميع المشتركات في هذا المشروع، قد ولدنا كلّنا بعد قيام دولة إسرائيل وفي ظل نظامها التّعليمي، فإننا نعرف من نحن! ولا حاجة لأن يُظْهِر لنا أحد فلسطينيّتنا! فكيف هذا؟ وماذا تعني هويّتنا القوميّة؟ هل هي هوية واحدة أيضاً؟
 
 
 
 
 
[4] للإجابة عن هذا التساؤل، أي ما هي العوامل المبلورة للهوية حاولنا أن نفحص مع أنفسنا ما يميّزنا؟ أو ماذا يثير فينا الشعور بالإنتماء إلى هذه الهويّة الفلسطينيّة؟ عندها وقفنا على دوائر انتماءاتنا كأطفال نعيش في بيت معيّن موجود في مدينة، في وطن، في دولة.  كأطفال نذهب  إلى الرّوضة في الحي، أو نخرج إلى نزهة في الحي أو البيئة القريبة منه، أو البيئة البعيدة، نتعامل مع البيئة بما فيها من: أتربة، نباتات، أشجار، أحياء، وما يرافقها من أصوات وروائح وملمس.  إنّ هذه البيئة ومحتوياتها تؤثّر علينا وتبني تصوّرنا عن حيِّنا، مدينتنا، وطننا، ويتم ذلك خلال مسار تطوّر.  كما وان معارفنا وتجاربنا تسهم في بلورة هوياتنا، فتوفّر معلومات ومعارف، مثلاً: عن بلدنا بجميع أجزائه وأهميّته لنا وللعالم، يتعزّز شعورنا بالفخر والاعتزاز لهذا البلد والانتماء إليه. تفكيك التجارب الى عوامل أظهر مدى تشابك المركبات، لذا كان لا بد لنا من أن نتمركز في أحد هذه المركبات وقد قررنا خوض التجربة مع موضوع النباتات.
 
 
 
 
 
 
 
[5]ومن المعارف التى تداولنا بها كان مميزات تعلم الطفل فالطفل متعلِّم بالفطرة، يبدأ مسار تعلّمه ما قبل الولادة ويتطور خلال مسار الحياة. حب الاستطلاع الطبيعي هو الدافع الأول للبحث والنشاط. وهذان مصدران أساسيان للتعلّم أي كونه متعلِّم بالفطرة ومحبّ للاستطلاع. إن المتعة المرافقة للنشاط والبحث من شأنها أن تزيد من دافعيّة الفرد على البحث والنشاط وبالتالي التعلّم.  يتعلم الطّفل في كل مكان وزمان، وتزداد إمكانية تعلّمه كلما كان على استعداد للتعلّم، أي كلّما نتج مسار نشاطه عن دافعيّة داخلية. والمقصود: أن مبادرة الطفل الذاتية مهمّة جداً لضمان الدافعيّة الداخلية للنشاط. مرافقة الراشد ووساطته، كلها عناصر داعمة لمسار التعلّم وتعميم التجربة.
 
يتعلّم الطفل بشكل فردي، أي أنه وعلى الرغم من تفاعله في بعض الأحيان مع البيئة والمربيّة ومجموعة الأطفال، إلا أن التعلّم يحدث بشكل فردي ويتلاءم مع مستوى نضجه وقدراته.  فلو قمنا مثلاً، بمحاولة تعليم طفل ابن الشهر قول كلمة بسيطة مثل: بابا أو ماما فإنه لن يستطيع حتى لو حاولنا أن نستعمل كل الوسائل من أجل ذلك، لأن الطّفل غير جاهز لمثل هذا التعلّم فأوتاره الصوتية لم تنضج بعد.  كما لو وجد أطفالٌ مع المربية في الفعالية فإن ما يتعلّمه "علي" يختلف عن ما تعلمته "سميرة" أو "نسيم"، فكل واحد له وتيرته الخاصة وتجاربه الخاصة وإدراكه الخاص، حتى لو كانت التجربة ذاتها، فالتعلّم هو عملية فردية داخلية….
 
يتعلَم الطّفل بشكل شمولي، فتعلّمه لا يتجزّأ. فإن قام باللعب بالرّمل مثلاً، فهو لا يتعلّم فقط عن الرّمل، ولا يفصل الطّفل بين ما يتعلّمه، فلا نراه يتعلّم حالياً الحساب، أو الطبيعة، بل أنه يتعلّم بشكل شمولي من خلال تجاربه الأخرى، معايشته وتفاعله مع الإمكانيات المتعدّدة والمتنوعة التي توفرّها له المربّية في الروضة، حيث ستعمّق معارفه وخبراته ومهاراته وسيصنّفها بشكل تلقائي مع نمو قدرته على التصنيف.  إنه يطوّر مهارات ذاتية، يطوِّر:  قدراته العضليّةالصغيرة والكبيرة من خلال حركته في حوض الرّمل, إنه ينمّي مهارات المراقبة والرّبط بين الأمور فيدرك سببية المظاهر، ويدرك تأثيره على الأشياء فينمي قدرته لرؤية الأمور، يواجه الصّعوبات ويحلّها بأشكال إبداعية، يتعلّم عن ظواهر طبيعيّة ويستطيع مراقبتها وتحليلها وتعميمها على تجاربه الأخرى، يطوّر مهاراته الّلغويّة عندما يتخاطب ويناقش ويتحاور مع أترابه خلال اللعب, وينمّي قدراته الإجتماعية عندما يطلب المساعدة أو يقدّمها للآخر.
 
 
 
[6]  نعاني كأقلية وطن من سيكولوجية الإنسان المقهور وذلك نتيجة لسياسةالقهر المتبعة تجاه الجماهير الفلسطينية في إسرائيل على مدار سنوات عديدة. وأصبح من مميزات غالبية الأفراد فقدان الثقة بالذات (خاصة الذات الجماعية،فقدان الثقة بكل ما هو عربي أو فلسطيني) وبالمعارف خاصة الموروثة منها. لذا توجب العمل مع المربيات على إعادة الثقة بالذات الجماعية وعلى بلورةتعامل نقدي مع الموروث الثقافي والنظريات العلمية التي نتداول بها.
 
[7] يتفاعل الطّفل مع الدوائر المباشرة لحياته، بيئته، روضته، حيِّه، مدينته والبيئة الأوسع- وطنه، وهنالك أطفال قليلون تتوفر لديهم أيضاً إمكانية التّعامل مع العالم الأوسع. فكيف لنا أن نسهم في بلورة انتمائه إلى بيئته، روضته، حيِّه، مدينته ووطنه؟ كيف لنا أن نجلب البيئة القريبة والبعيدة إلى الرّوضة؟ أو كيف يجلب الطفل بيئته، بلده، بيته، وطنه، إلى الرّوضة؟ وكيف نتعامل معها عندما يحضرها إلينا؟ أو نحضرها إليه؟ هل هنالك أهمية لذلك؟ وماذا يمكن أن يساهم توفير التّجربة والمعرفة؟ وكيف يرتبط ذلك بالهوية؟
 
إن البيئة التربويّة الغنيّة بالمثيرات والداعية إلى التجربة والبحث، هي: البيئة التي تجهّز إمكانيات متعددة ليسبح فيها الطفل حسب رغباته وقدراته.  إن المربيّة المتابعة للطفل- لكل طفل وتجاربه- تستطيع أغناء تجارب أطفالها بالتجديد في المواد المتوفّرة بين أيديهم، بالوساطة الملائمة، بين الطفل وبين مسار ونتائج أعماله، بتساؤلاتها المشجّعة على التساؤل والبحث، بدعمها واهتمامها في أعماله- هي تحثّه على المزيد.  إن احترام المربية لأطفالها ولمبادراتهم الذاتية ودعمها لهم، لهو حجر أساسي في تعلّمهم.  أما مبادرتها، فهي وسيلة أخرى لإغناء بيئة الطفل وحثّه على المزيد من التّجارب. إنها نموذج يحتذي به. لذلك من المهم التّخطيط الجيِّد لمثل هذه المبادرات.  إنّ أي موضوع نتناوله في الرّوضة هو وسيلة لتوفير أكثر ما يمكن من المثيرات التي تجذب اهتمام الأطفال، كل الأطفال على تنوعهم.  يستطيع كل طفل أن يختار أي من الفعاليات سيقوم بها أو لا يشترك بها، التخطيط المتلائم مع معارفنا حول أطفالنا سيسهم في توفير التّنوّع المطلوب لجميع الأطفال. وسيسهم في إيجاد حيّز لمثل هذا التنوع بينهم، فالطفل المهتم بالزراعة يمكنه المساهمة في أجزاء المشروع المرتبطة بالنباتات، والطّفل المهتم في الموسيقى يمكنه ان يرتبط مع النباتات والموسيقى. وهكذا فإن التنويع يسهم في الإثارة وهذه تؤدي إلى نشاط، ومن ثم إلى تعلّم.