رؤية تربويّة عربيّة للطّفولة المبكرة

                                                            نبيلة اسبانيولي

                                                           اخصائية نفسية

                                           مديرة مركز الطفولة الناصرة

 
يقول رضا محمّد جواد إنّ الحضارة أرحام الفكرالتّربويّ. والفكر التّربويّ هو أداة الحضارة ووسيلتهافي تخليد ذاتها، وضمان انسيابها وتناقلها عبرالأجيال. فبمحض أن تعي حضارة ما ذاتها، تحرصعلى حماية تلك الذّات "[1]
وعينا لأهمّيّة التّربية في تطوير الذّات الحضاريّةوالبحث عن أنجع الوسائل لإحداث التّغيير الإجتماعيّ(التّنمية)، الّذي يمكّننا من جعل رؤيتنا واقعًا معاشًا،يدفعنا للإسترشاد بهذه الرّؤية وبلورة الفكر التّربويّوالنّهج الّذي يسهم في هذا التّغيير. يضيف رضا محمّدجواد "عندما تعي الحضارة ذاتها يتولّد التّفكيربالتّربية، ويولد معه القلق الخلاّق على التماس خيرالوسائل وأجداها في حفظ (تطوير)[2] الذّاتالحضاريّة، أيّْ يبدأ التّفكير في التّربية".
وعليه فقد تولّدت الحاجة  لدى مجموعة منالمتخصّصات والمتخصّصين العرب الّذين تجّمعوافي فضاء ورشة الموارد العربيّة إلى التّعمّق في الفكرالتّربويّ العالميّ والعربيّ والإرتكاز على بعضالمساهمات المبكرة التّي اتبنّت أفكارًا وممّارساتتربويّة مشاركة والتّعامل النّقديّ مع موروثنا بكونهتجربة مدعّمة تعيد الثّقة بأنفسنا وبجذورنا وتؤسّسبالوقت نفسه للإنطلاق لتوليد معارف جديدة. 
نتج عن هذا المسار التشاركيّ الجمعيّ والذي شاركبه مجموعة من سبعة بلدان عربيّة، رؤية تربويّةعربيّة للطّفولة المبكرة، تمثّلت ب "النّهج الشّموليّالتكامليّ في رعاية وتنمية الطّفولة"[3].  وثّقتاهد.جاكلّين صفير وجوليا جاكلّيس[4] ضمن دليلتدريبيّ.  جاءت صفة "شمولي" الواردة في النّهجإقرارًا بأهمّيّة المبدأ الّذي يشير إلى أن الطّفل كائنواحد موحّد.  للطّفل حاجات متنوّعة ومهمّة بجوانبهاكافّة، وهي تتداخل فيما بينها وتؤثّر على بعضهاالبعض.  وأمّا صفة "االتّكامليّ" الواردة في المصطلحفتشير إلى أهمّيّة أخذ حاجات الطّفل بمجملها حتّىعندما نهتم بحاجة واحدة معيّنة لديه. 
 
يبنى النّهج الشّموليّ االتّكامليّ  على "إطار مبادئخاصّة" برعاية وتنمية الطّفولة المبكرة[5] وهيتشكلّ  إطارًا يجمع ما بين النّظريّة النّمائيّة ومبادئحقّوق الطّفل/ة. وتقسم إلى ثلاثة مبادئ حول الطّفل/ة والطّفولة، مؤسّسة لهذا النّهج وثلاثة مبادئ أساسيّةحول الطّفل/ة والبيئة بالإضافة إلى 8 مبادىء حولالطّفل/ة والبرامج.
مبادئ النّهج الشّموليّ االتّكامليّ  
الطّفل/ة والطّفولة:
1.    الطّفل كيان واحد موحّد مهمّ بكافّة جوانبه، حيثيتأثّر كلّ جانب بالجوانب الأخرى ويؤثّر فيها.
2.    الطّفولة مرحلة عمريّة قائمة ومتكاملة في حدّ ذاتها، ومن حقّ الطّفل وحاجته أن يحياها بكاملها.
3.    يحدث النّموّ بخطوات متسلسلة، يمكن التّنبّؤ بها. تتخلّلها فترات تكون فيها جاهزيّة الطّفل/ة للتّعلّم في أوجها.
الطّفل/ة والبيئة:
 
4.    تفاعل الطّفل مع الأشخاص (كبارًا وصغارًا) يحفِّز عمليّة التعلّم عند الطّفل، ينشِّطها ويشجِّعها ويدعمها.
5.    تربية الطّفل هي تفاعل ما بين الطّفل وبيئته، بما في ذلك وبشكلّ خاصّ النّاس الآخرين والمعرفة.
6.    تنمية هويّة الطّفل الثّقافيّة، ولغة الأمّ وقيمه الخاصّة مهمّة لنموّه السّويّوالمتكامل.
الطّفل/ة والبرامج:
 
7.    هنالك"حياة داخليّة" للطّفل تظهر وتزدهر في الظّروف المناسبة.
8.    من المهمّ تثمين الفروق الفرديّة بين الأطفال والإحتفاء بها.
9.    الإعتراف بأهمّيّة "الدّافعيّة الداخليّة" للطّفل والتّي تقوده إلى المبادرة للقيام بأنشطة يوجّهها بنفسه، وتشجيعها أمرّمهمّ في تحقيق مختلف جوانب شخصيّته.
10.                   تنشئة الطّفل على "الضّبط الذّاتيّ" لضمان تأمين حريّته الشّخصيّة والتّصرّف بمسؤوليّة في السّياق الإجتماعي والثّقافيّ.
11.                   يحتاج الطّفل الّذي يعيش في ظروف صعبة إلى دعم نفسيّ ومجتمعيّ كافٍ، من أجل تطوير المهارات والقدرات الكامنة لديه والتّي تساعده على البقاء والتّغلّب على الصّعوبات والصّدمات.
12.                   تربية الطّفل تنطلق ممّا يقدر الطّفل على القيام به، وليس ممّا لا يقدر على القيام به.
13.                   نظرة الطّفل شموليّة، وهو لا يميّز بين فروع المعرفة المختلفة، بل يتعلّم بشكل متكامل.
14.                   تقدير واحترام دور الوالدين و/أو، عندالحاجة، دور أعضاء الأسرة الموسّعة أو الجماعةالرّاعية أو الكافلة في منظور العرف المحلّيّ.
15.                   تطوير برامج وقائيّة وعلاجيّة لجميعالأطفال، وبالذّات للأطفال ذوي الاحتياجاتالخاصّة.
 
النّهج الشّموليّ االتّكامليّ هو نهج يتعامل مع الطّفل على أنّه كيان واحد وموحَّد، يتطوّر بشكل شموليّ تكامليّ، أيّ أنّ كلّ جانب من جوانب النّموّ يؤثّر على الجوانب الأخرى ويتأثر بها، وجميع جوانب النّموّ مهمّة بالقدر نفسه، ويجدر بنا الإهتمام بها وأخذها بعين الإعتبار جميعًا- إذ أنّها تتكامل فيما بينها.
 
ينظر النّهج الشّموليّ االتّكامليّ إلى الطّفل كفرد تتزايدقدراته باستمرار، وذلك إن وجد في بيئة بشريّةداعمة؛ تحترم حقوقه وتوفّر له الفرص للمشاركة،نهج بطبيعته دمجيّ يُطالبنا بالنّظر إلى كلّ الأطفالبدون تمييز.  ويرى أهمّيّة الإنطلاق من الطّفل (مركزيّة الطّفل) والإعتراف بل الإحتفاء بما يحضره الطّفل/ة من عوالم داخليّة، تجارب وميول ورغبات واهتمامات، مكونات هويّته/ا الثّقافيّة، وقيمه الخاصّةويولي أهمية قصوى لدور البالغ/ة الوالدين و/أو، عندالحاجة، دور أعضاء الأسرة الموسّعة أو الجماعةالرّاعية أو الكافلة في منظور العرف المحلّيّ ويوفّرالمعايير لنوعيّة التّفاعل بين الطّفل/ة والبالغ.  ويدفعباتّجاه تأسيس نهج حقوقيّ في العمل في مجالالطّفولة المبكرة، ويدعم استخدام استراتيجيّات ملائمةفي إطار التّقاليد الثّقافيّة المحلّيّة. 
 
كما وأنّ الشّموليّة االتّكامليّة لا تقتصر فقط علىالأطفال، بل نقصد بها كذلك أهمّيّة التّكامل فيما بينالّذين يعملون ويعيشون مع الأطفال؛ من أهل،مربّيات، أقارب، مراكز ومؤسّسات.... ونعنيالتّنسيق وتبادل المعلومات والتّفاعل المشترك بينجميع المؤسّسات، والأطراف الّذين يتعاملونويعيشون مع الطّفل/ة، في الحضانة والرّوضة،ومراكز الأمومة والطّفولة، الخدمات الإجتماعيّة،الصّحّيّة، التّربويّة، الإعلاميّة. 
 
النّهج الشّموليّ االتّكامليّ والتعلّم النّشط
 
تعتبر غريزة البقاء الدّافع الأوّل للبحث والتّجربة. تعزّز النجاحات الأولى التعلّم وتزيد من دافعيّة الفرد للتّعلّم.  مثل هذا التعلّم مبني على سلوك إستكشافيّ سليقيّ غير منهجيّ، ينبع من حبّ الإستطلاع الطّبيعيّ ويعتمد على التّجربة والخطأ اي تعلّم فطري. يشترط التعلّم الفطري حدوث التعلّم بالمعايشة أو التّجربة، أيّْ من المهمّ أن يعيش الطّفل التّجربة لكيّ تكون الفائدة قصوى وليكون تعلّمه فعّالاً، فلن ينسى الطّفل/ة أمر تعلّمه/تعلمته من تجربة ومعايشة خاصّة اذا كانت هذه التجارب ذات معنى له/ا[6] ومن المهمّ أن نوفّر له/ا مثل هذه الفرص التّى من شأنها أن تسهم في تطوّر التعلّم الفطريّ إلى تعلّم منهجيّ، فتوفير تّجارب تتوافق مع عوالم الطّفل الداخليّة وتتلاءم مع مستوى نموّه، اهتماماته وميوله وتعزيزها بمرافقة داعمة من قبل الرّاشد من شأنها ان تدعم مهارات التعلّم لدى الطفل/ة  وتمنهج التعلّم الفطري ليصبح الطّفل/ة متعلما مدى الحياة.
 
نظرة الطفل شموليّة، فعندما يقوم الطّفل بنشاطمعيَّن أو بفعاليّة، فإنّه عمليًّا ينشِّط جميع مجالاتنموّه.  لذا فالطّفل هو مركز عمليّة التعلّم ومحدِّدلمسارها، أمّا نِتاجُها فشخصيّ يعتمد على التَّجربةنفسها وعلى ما يدركه الطّفل/ة المعيّن من خلالها. 
لا يهمّنا أن يحفظ الطّفل/ة معلومة وينجح في ترديدها لأنّه سينساها بعد فترة، خاصّة وإن أُسقطت عليه من أعلى دون أن تكون مرتبطة بعالمه واهتماماته. ما يهمّنا هو المسار الّذي مرّ به الطّفل حتّى تَوصَّل إلى المعلومة أو استنتج النّتيجة،وما تعلّمه خلال ذلك عن نفسه وعن محيطه وعن علاقته بهذا المحيط، وما طوره خلال ذلك من مهارات تدعم تعلمه مدى الحياة. 
 
الطّفل هو مركز عمليّة التعلّم من بدايتها وحتّىنهايتها. إذ أنّه المبادر للتّعَلُّم وتكون مبادرته ناتجةعن اهتماماته وبحسب قدراته ومجهوداته.  الطّفل قادر على المبادرة، التعلّم، المشاركة وإبداء الرّأي،ولديه الرّغبة والدّافعيّة للعمل، النّشاط، الإبداع، التّمتّع والتعلّم.   
الأطفال مشاركين في ”وضع“ المنهاج (من خلال خياراتهم وتجاربهم ومبادراتهم التّي تتيح لهم إمكانيّة الاستكشاف والتّجريب والتّقييم والمشاركة ضمن أنظمة وقوانين واضحة تعمل على تطوير قدرة الطّفل على الضّبط الذّاتيّ. يشاركان عمليًّا في بناء وتخطيط البرنامج اليوميّ في الرّوضة،يشاركان في ”وضع“ المنهاج وحتّى في تصميم شكل الرّوضة وتزيينها وتجميلها، ويعبِّران بذلك عن ذات كلّ منهما: هويتهما الثّقافية ولغة الأمّ وعن اهتماماتهما وميولهما.
 
إن تواجدَ الطّفل والطّفلة في مركز عمليّة التعلّم سينعكس ذلك في الرّوضة، على: العمليّة التّربويّة- التعلّميّة والنّاحية الإجتماعيّة وحتّى على شكل وبيئة الرّوضة.
 
للرّاشد/ة الوسيط/ة المربّية دور في هذه العمليّة هو: مرافقة[7] الطّفل من نقطة انطلاقه، تطوير قدراته تدريجيًّا بحسب وتيرته عن طريق إغناء البيئة بالمحفّزات أو المبادرة بفعاليّات من عالمه،خلق التّحدّيات للطّفل/ة أيضا؛ فحين يتعاطى الطّفل/ة مع تلك التّحدّيات أو المثيرات ويحلّها، ستسهم في تطوير ودعم إدراكه، معارفه/ا، مهاراته/ا التّفكيريّة وقدرته/ا على حلّ المشاكل.أيّْ أنّنا نهيّء البيئة من أجل اللعب والتعلّم من خلاله.  الراشد/ة يحفّز/تحفّز على التعلّم، تراقبه/يراقبه خلال العمليّة، تسانده وتدعمه وتتقبّله، وتحثّه على السّؤال واستخلاص الجواب وعلى طرح المزيد من الأسئلة، تحادثه، تحاوره، وتدعمه في مسار تجاربه بأشكال مختلفة، وكذلك تشكلّ وسيطًا بين الطّفل والمادّة والطّفل والتعلّم وهو عنصر أساسيّ يدعم تطوير مسار التعلّم الفطريّ إلى تعلّم منهجيّ.
 
من أهمّ أسس التعلّم النّشط
·      التعلّم يحدث في كلّ مكان وزمان.
·      التعلّم هو عمليّة فرديّة داخليّة: يحدث وفقاً لنضجالطّفل ميوله وقدراته، عمليّة التعلّم متعلّقة بالفروقالفرديّة، أيّ أنّ كلّ طفل يتعلّم وفق مستوى نضجه،قدراته وحيّز اهتماماته، فكلّ واحد/ة له وتيرته/االخاصّة وتجاربه/ا السابقة الخاصّة وإدراكه/االخاصّ، حتّى لو عايشوا/ عايشنّ التّجربة ذاتها.
·      وجود دافعيّة داخليّة ومبادرة ذاتيّة يزيد من فاعليّة التعلّم.
·      التعلّم يحدث بشكلّ شموليّ تكامليّ: عمليّة التعلّمتحدث بشكل شموليّ تكامليّ، أيّْ أنّه لا يمكنالفصل بين مجالات التعلّم المتعدّدة.
·      يتعلّم الطّفل ممّا يعيشه ويعايشه بشكل شموليّ.
·      الإنضباط الذّاتيّ: تعزيز الإنضباط الذّاتيّ، هوعامل مهمّ لإنجاح عمليّة التعلّم فالإنضباطوالإلتزام الذّاتيّ عاملان مساعِدان لتنظيم التعلّمومنهجته.
·      بيئة داعمة، مادّيّةً وبشريّةً.
يؤسس النّهج الشّموليّ االتّكامليّ  بمبادئه المختلفة للتّعلّم الفعّال/ النشط، ويقدم المعايير التى تمكّن الطفل/ة من تطوير مهارات التعلّم الذّاتيّ  الخاصّة به/ا،  أذ يعتبر التعلّم مرافقًا للحياة، يحدث في كلّ مكان وزمان،  وينطلق من كون الطّفل/ة  متعلِّم/ة بالفطرة، يبدأ مسار تعلّمه/ا قبل الولادة ويتطوّر حب استطلاعه/ا خلال مسار الحياة.  كما وأن مرافقتنا للأطفال تعزّز فهمنا كبالغين، وسطاء لمسارات التّفكير لدى الأطفال، وفهمنا لمراحل تطوّر الطّفل وقدراته ومعرفتنا بميوله[8]. 
 
 
 
[1] رضا محمّد جواد: "العرب التّربية والحضارة: الاختيار الصّعب" بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة 1987.
 
[2] تطوير هي إضافة من الكاتبة- إذ باعتقادي أنّه لا يمكن الحفظ دون تطوير. والمميّز الأساسيّ للحضارة هو حركتها، تفاعلها مع الواقع المعاش، عكسه بها وأثراؤه من خلاله.
 
[3] للمزيد حول النّهج وحول الورشة، يمكنك مراجعة "الكبار والصّغار يتعلّمون"- إعداد جاكلّين صفير وجوليا جيلكس ، وإصدار ورشة الموارد العربيّة في قبرص-2001.
[4] شاركت كاتبة هذا التّقرير في المسار الجمعيّ منذ 1992 وعملت كمستشارةللكاتبات خلال مراحل الكتابة المختلفة.
[5] اعتمدت على المبادئ العشرة الّتي ذكرتها تينا بروس  في كتابها "أسسالتّربية في الطّفولة المبكرة"، ترجمة سلامة ممدوحة محمّد- إصدار دار الشّروق .
 
 
[6] تعلّم يحمل معنى له: هو ذلك التعلّم المقرون باهتمامات  الطّفل، والّذي قديحدث خلال  أكلّه، لعبه، خلال أحاديثه مع من حوله- كبارًا أو صغارًا، فيأيّ مكان يتواجد به.
 
[7]المرافقة: التّواجد، ترجمة الحدث كلّاميًّا "أنت تدقّ فيصدر صوت". تعزيز "أنامتأكّدة بأنّك قادر"، فتح آفاق جديدة "لنرى ماذا سيحدث لو.... دعنا نشاهد ونرى...ما رأيك بأن نبحث في المكتبة؟ ما رأيك بأن نخرج إلى الحديقة لنرى..., ربطالتّجربة بمعارف أو تجارب سابقة "أتذكر عندما حاولت بناء المكعبات..."، تقسيمالتّجربة إلى أجزاء "دعنا أوّلا نحاول وضع الملح  بالماء لنرى..."، ماذا سيحدثلو سكبنا الماء....?  
[8] للمزيد عن الوساطة راجع/ي نبيلة اسبانيولي ونجلاء زاروبي: نباتات بلاديبين الجبل والوادي، إصدار مركز الطّفولة / مشاركة 2007.